الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
88
تفسير روح البيان
أنت عبدي حقا ولك عندي ان لا احجب عنك ما تريد فقلت أريد ان تشفعنى في القرن الذي انا فيه قال شفعتك فيه ثم إنه صافحني فاستيقظت بعد المصافحة فلم ار أحدا الا ويقول لي يا إبراهيم لقد از عجت الناس من طيب رائحة يدك قال بعض المحدثين ولم تزل رائحة الطيب تخرج من يد إبراهيم حتى قضى نحبه رحمه اللّه رحمة واسعة وَكَذلِكَ اى كما جعلنا لك عدوا كأبى جهل وغيره من كفار قريش جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ قبلك عَدُوًّا وفيه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث إن عداوتهم وما يبتنى عليها مما لا خير فيه من الأقاويل الكاذبة والأفاعيل الباطلة ليس مختصا به عليه السلام بل كما ابتلى هو وأمته بكيد الأعداء ابتلى جميع الأنبياء وأممهم شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ اى مردة الفريقين على أن الإضافة بمعنى من البيانية وهو بدل من عدوا . والشياطين جمع شيطان وهو يطلق على كل عات متمرد من الانس والجن والشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن وعجز عن اغوائه ذهب إلى متمرد من الانس فاغراه على المؤمن ليفتنه وعن مالك بن دينار أنه قال شياطين الانس أشد علىّ من شياطين الجن وذلك انى ان تعوذت باللّه من شياطين الجن ذهبت عنى وشياطين الانس تجيئنى فتجرنى إلى المعاصي عيانا يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ كلام مستأنف مسوق لبيان احكام عداوتهم وتحقيق وجه الشبه بين المشبه والمشبه به . والوحي الكلام الخفي والقول السريع الذي يلقى سرا اى يلقى يوسوس شياطين الجن والانس أو بعض الجن إلى بعض وبعض الانس إلى بعض زُخْرُفَ الْقَوْلِ اى المموه منه المزين ظاهره والباطل باطنه يقال فلان زخرف كلامه إذا زينه بالكذب والباطل غُرُوراً مفعول له ليوحى اى ليغرّوهم وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ عدم ما ذكر من العداوة والإيحاء ما فَعَلُوهُ اى ما ذكر فأعيد ضمير الواحد إلى الاثنين باعتباره فَذَرْهُمْ اى إذا كان ما فعلوه في حقك بمشيئته تعالى فاتركهم وَما يَفْتَرُونَ وافتراءهم اى كفرهم وسائر مكائدهم فان لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء مشيئته تعالى على الحكم البالغة البتة وَلِتَصْغى إِلَيْهِ إلى زخرف القول علة أخرى للايحاء معطوفة على غرورا وانما لم ينصب لفقد شرطه إذ الغرور فعل الموحى وإصغاء الأفئدة فعل الموحى اليه اى يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم به ولتميل اليه أَفْئِدَةُ قلوب الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ واما المؤمنون بها فلا يتصور منهم الميل إلى تلك المزخرفات لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها وَلِيَرْضَوْهُ لأنفسهم بعد ما مالت اليه أفئدتهم وَلِيَقْتَرِفُوا اى يكتسبوا بموجب ارتضائهم له ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ له من القبائح التي لا يليق ذكرها وهي ما قضى عليهم في اللوح المحفوظ يقال اقترب فلان ذنبا إذا عمله ومالا إذا اكتسبه وفي الآية إشارة إلى أن البلايا للسائرين إلى اللّه هي المطايا وان أشد البلاء شماتة الأعداء فلما كانت رتبة الأنبياء أعلى كانت عداوة الكفار لهم أوفى وفي ذلك ترقيات لهم وتجليات : قال الحافظ چه جورها كه كشيدند بلبلان از دى * ببوى آنكه دكر نو بهار باز آيد والإشارة في شطان الانس إلى النفس الامارة بالسوء وهي أعدى الأعداء ولهذا قدم